حين يتحوّل النقد إلى حكم على التاريخ: ماجد كيالي بين فلسطين وسوريا
هل تكفي الهزائم المتراكمة لإعلان نهاية المقاومة؟ وهل يملك الناقد حق إغلاق الاحتمالات التاريخية قبل أن تكتمل فصولها؟ قراءة في مشروع ماجد كيالي النقدي، على ضوء التجربتين الفلسطينية والسورية، ودور الإعلام في تشكيل سرديات النجاح والإخفاق.
المقال الذي سبق سقوط الأسد بيوم واحد
في السابع من ديسمبر/كانون الأول 2024، نشر الكاتب الفلسطيني ماجد كيالي مقالاً في مجلة «المجلة» بعنوان «استعصاء الحل السياسي في سوريا»، تناول فيه مسار الثورة السورية، وتحولها إلى الصراع المسلح، وتدخل القوى الإقليمية والدولية، وما أصاب السوريين من قتل وتهجير ودمار.
وفي ذلك المقال، كتب كيالي أن الثورة السورية قد أُجهضت من داخلها وخارجها، وذهب إلى أن الرهان على الحل العسكري لا يحمل للسوريين سوى استمرار مأساتهم وتعميق تفكك بلدهم.
وفي اليوم التالي، الثامن من ديسمبر 2024، انهار نظام بشار الأسد، بعد هجوم عسكري خاطف شنته قوى المعارضة، وانتهى بدخول دمشق وسقوط السلطة التي حكمت سوريا عقوداً طويلة.
قد تبدو المفارقة للوهلة الأولى مدخلاً سهلاً للقول إن كيالي أخطأ، وإن التاريخ كذّب أحكامه. لكن القضية أعقد من ذلك بكثير.
فالكاتب لم يكن غافلاً عن تغير موازين القوى، ولم يكن متجاهلاً مسؤولية نظام الأسد عن القمع والاستبداد والدمار، بل أشار في مقاله نفسه إلى هشاشة الجيش السوري وتراجع قدرات حلفائه. كما أن سقوط النظام لا يعني أن كل القرارات العسكرية التي اتخذتها المعارضة خلال ثلاثة عشر عاماً كانت صائبة، أو أن جميع أهداف الثورة تحققت بمجرد رحيل الأسد.
ومع ذلك، تبقى أمامنا حقيقة يصعب تجاهلها: وُصفت ثورة بالإجهاض عشية نجاح القوى المسلحة المنحدرة من مسارها في تحقيق هدف إسقاط النظام.
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بقدرة الكاتب على التنبؤ بالمستقبل؛ فليس من واجب أي محلل أن يعرف ما سيحدث غداً. وإنما يتعلق بمدى الحذر المطلوب عندما ننتقل من تشخيص أزمة راهنة إلى إصدار حكم يبدو كأنه يطوي صفحة تاريخية بأكملها.
هذه المفارقة هي المدخل الذي يعيدنا إلى مشروع ماجد كيالي النقدي، ولا سيما أحكامه الواسعة بشأن التجربة الوطنية الفلسطينية وجدوى الكفاح المسلح.
ماجد كيالي: ناقد أم صاحب رواية متكاملة عن الإخفاق؟
ليس ماجد كيالي كاتباً طارئاً على النقاش الفلسطيني، ولا بدأت انتقاداته للعسكرة بعد السابع من أكتوبر 2023.
فمنذ سنوات طويلة، شغلت كتاباته أسئلة تتعلق بجدوى الوسائل العسكرية، وضعف المؤسسات الفلسطينية، وأزمة التمثيل، وتضخم الفصائل، وانفصال قرارات القيادات عن قدرة المجتمع على تحمل نتائجها.
وقد بلور جوانب من هذا المشروع في كتب من بينها «الثورة المجهضة»، و«فتح: 50 عاماً»، و«نقاش السلاح»، و«من نفق عيلبون إلى طوفان الأقصى».
بل إن العودة إلى دراسة نشرها في مجلة الدراسات الفلسطينية عام 2002، عن الانتفاضة والمقاومة والعمليات الاستشهادية، تكشف أن اعتراضاته على عسكرة الانتفاضة الثانية كانت حاضرة في وقت الأحداث نفسها.
ولذلك سيكون من الظلم تصويره بوصفه كاتباً اكتشف مساوئ العمل المسلح بعد كارثة غزة، أو اتهامه بأنه يرفض حق الفلسطينيين في المقاومة من حيث المبدأ. فهو يقر بهذا الحق صراحة، وقد انتقد الاحتلال الإسرائيلي وسياساته مراراً.
لكن الاعتراف بهذه الوقائع لا يعفي مشروعه من المساءلة.
فثمة فرق بين أن يقول الكاتب إن الفصائل ارتكبت أخطاء جسيمة، وبين أن يجعل هذه الأخطاء مفتاحاً شبه وحيد لتفسير ستة عقود من التاريخ الفلسطيني.
وثمة فرق بين أن ينتقد استراتيجية عسكرية لم تحقق أهدافها، وبين أن يستنتج من ذلك أن الخيار العسكري كله استنفد إمكانه التاريخي.
وثمة فرق، أخيراً، بين مراجعة تجربة وطنية من أجل فهم أسباب تعثرها، وبين بناء رواية لا تكاد ترى في تاريخ تلك التجربة إلا مقدمات هزيمتها.
هنا تحديداً تبدأ ضرورة نقد النقد.
والمقصود ليس الدفاع عن كل قرار فلسطيني، ولا منح المقاومة حصانة ضد السؤال، بل تطبيق معيار بسيط: إذا كان على القائد السياسي أو العسكري أن يبرهن على صحة قراره، فعلى الناقد أيضاً أن يبرهن على صحة استنتاجه.
هل انتهت الإنجازات الفلسطينية في منتصف السبعينيات؟
من أبرز الأفكار المتكررة في مشروع كيالي أن الحركة الوطنية الفلسطينية حققت معظم إنجازاتها الكبرى في عقدها الأول، وأن مسارها اللاحق اتسم بالتراجع والاستنزاف والعجز عن إضافة مكاسب نوعية.
تستند هذه الفكرة إلى حقيقة مهمة.
فقد شهدت السنوات الممتدة من منتصف الستينيات إلى منتصف السبعينيات إعادة بناء الهوية السياسية الفلسطينية، وصعود حركة فتح، وتعاظم حضور منظمة التحرير، وانتزاع الاعتراف بها ممثلاً للشعب الفلسطيني.
كانت هذه تحولات تأسيسية يصعب المبالغة في أهميتها.
لكن هل يترتب على ذلك أن ما تلاها كان مجرد تاريخ من الفشل؟
لنفكر في الانتفاضة الأولى التي اندلعت عام 1987. لقد كشفت تلك الانتفاضة قدرة الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة على بناء حركة شعبية واسعة، تتجاوز في أشكال كثيرة النموذج الفدائي الذي كان يهيمن على صورة النضال في العقود السابقة.
ولنفكر في إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988، وما رافقه من تحول في الخطاب السياسي والدبلوماسي.
ثم في انضمام فلسطين إلى اليونسكو عام 2011، وحصولها على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة عام 2012، وانضمامها إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عام 2015.
قد يعترض معترض قائلاً: وماذا غيّرت هذه الإنجازات في حياة الفلسطيني تحت الاحتلال؟ هل أوقفت الاستيطان؟ هل أعادت اللاجئين؟ هل حققت الاستقلال؟
والجواب أنها لم تحقق ذلك.
لكن عدم تحقيق الهدف النهائي لا يجعل كل إنجاز جزئي بلا قيمة.
والمسألة هنا تتعلق بمعنى كلمة «إنجاز» نفسها.
فالاعتراف الدولي ليس تحريراً للأرض، لكنه ليس حدثاً معدوماً. وبناء مؤسسة وطنية ليس سيادة مستقلة، لكنه ليس بلا أثر. واندلاع انتفاضة شعبية واسعة لا يعني الانتصار النهائي، لكنه يمثل تحولاً تاريخياً في قدرة المجتمع على التنظيم والمواجهة.
حين نستخدم معيار التحرير الكامل وحده لقياس كل شيء، سنصل بسهولة إلى نتيجة أن كل ما لم يحقق التحرير كان فاشلاً.
لكننا نكون بذلك قد اخترنا النتيجة مسبقاً، من خلال تعريف ضيق لكلمة النجاح.
وهذه إحدى أهم مشكلات النقد التاريخي عندما تختلط فيه الأهداف الكبرى بالمكاسب الجزئية، والإنجازات السياسية بالإنجازات العسكرية، والتمثيل الوطني بالسيادة الفعلية.
لا ينبغي تضخيم الإنجازات الفلسطينية، لكن لا يجوز شطبها لأن الاحتلال ما زال قائماً.
هل أخطأت الفصائل؟ نعم. ولكن هل يفسر خطؤها كل شيء؟
من حق أي فلسطيني أن يسأل قياداته: لماذا اتخذتم هذا القرار؟ وهل حسبتم مخاطره؟ وهل أعددتم المجتمع لاحتمالات الفشل؟ وما البدائل التي كانت أمامكم؟
هذه ليست أسئلة عدائية، بل أسئلة واجبة.
لقد عانت الحركة الوطنية الفلسطينية من مشكلات تنظيمية ومؤسسية حقيقية، ومن استفراد قيادات بالقرار، وتنافس فصائلي على الموارد والشرعية، وعلاقات تبعية مع قوى إقليمية، وضعف في آليات المحاسبة والتجديد.
ولا تصبح هذه الأخطاء مقبولة لمجرد أنها ارتُكبت باسم قضية عادلة.
لكن الخطأ يبدأ حين يتحول نقد القرار الفلسطيني إلى تفسير شبه كامل لما يفعله الاحتلال الإسرائيلي.
فإذا قررت حركة مقاومة خوض مواجهة غير محسوبة، فإنها تتحمل مسؤولية سياسية واستراتيجية عن تقديرها وقراراتها. أما إذا ارتكبت القوات الإسرائيلية انتهاكات بحق المدنيين، فإن المسؤولية القانونية عن تلك الأفعال تقع على مرتكبيها ومن أصدر الأوامر بها أو يتحملون المسؤولية عنها وفق القانون.
وهناك فارق كبير بين المسؤوليتين.
إن مطالبة القيادة بتوقع ردود الفعل أمر مشروع، لكن توقع احتمال ارتكاب جرائم لا يجعل الطرف الذي يتعرض لها مسؤولاً قانونياً عن ارتكابها.
والعكس صحيح أيضاً: لا تعفي جرائم الاحتلال القيادات الفلسطينية من واجب محاسبة نفسها على ما كان في وسعها تقديره أو تجنبه.
ولعل السؤال الأهم هو: لماذا نحمّل القرار الفلسطيني أحياناً قدرة تفسيرية أكبر مما يحتمل، بينما نتعامل مع السياسات الإسرائيلية باعتبارها استجابة آلية لذلك القرار؟
فإسرائيل ليست مجرد طرف يتحرك كرد فعل؛ إنها دولة تمتلك مؤسسات عسكرية وسياسية واستراتيجية مستقلة، وتتخذ قرارات مرتبطة بالاحتلال والاستيطان والأمن والسياسة الداخلية والتحالفات الدولية.
ولا يمكن كتابة تاريخ الصراع الفلسطيني بمعزل عن هذه الفاعلية المستقلة.
إن فهم أسباب المآسي لا يتحقق بتبرئة القيادات الفلسطينية، ولا بتجريد الاحتلال من مسؤوليته، وإنما بوضع مسؤولية كل طرف في موقعها الصحيح.
هل كانت المقاومة الشعبية ستنجح لو لم تتدخل الفصائل المسلحة؟
يحتل هذا السؤال مكانة بارزة في نقد عسكرة النضال.
غالباً ما تُستدعى الانتفاضة الأولى بوصفها نموذجاً للمشاركة الشعبية الواسعة، في مقابل الانتفاضة الثانية التي أخذ العمل المسلح فيها حضوراً أكبر.
وثمة حجة جدية هنا: عندما تتحول المواجهة إلى صراع عسكري شديد الاختلال، قد تتراجع مشاركة المجتمع، وتزداد قدرات الطرف الأقوى على فرض الميدان الذي يناسبه.
لكن هل يمكن رد الفارق بين الانتفاضتين إلى وجود السلاح وحده؟
لقد اختلفت الظروف السياسية والتنظيمية والاقتصادية بين عامي 1987 و2000 اختلافاً عميقاً. وظهر نظام مؤسسي جديد بعد أوسلو، وتغيرت العلاقات بين السلطة والفصائل والمجتمع، كما تغيرت السياسات الإسرائيلية وآليات السيطرة والقمع.
إذن، قد تكون العسكرة أحد أسباب تراجع الطابع الشعبي، لكنها ليست بالضرورة السبب الوحيد.
وتظهر المشكلة بصورة أوضح في قراءة هبة القدس والشيخ جراح عام 2021.
فقد رأى كيالي أن التصعيد العسكري من غزة غيّر مسار الهبة الشعبية وأضعف إمكان تحولها إلى انتفاضة أوسع.
يمكن مناقشة هذا الاحتمال بجدية.
لكن من الصعب الجزم بأن انتفاضة شاملة كانت ستندلع حتماً لولا الصواريخ، لأننا لا نعرف ما الذي كان سيحدث في المسار الذي لم يقع.
هذا ما يسميه الباحثون السيناريو البديل: أي تخيل ما كان يمكن أن يحدث لو اتخذ الفاعلون قراراً مختلفاً.
ومن دون هذه السيناريوهات لا يمكن التفكير استراتيجياً. لكن الخطأ هو تحويل السيناريو المتخيل إلى حقيقة مؤكدة، ثم محاكمة الواقع الذي وقع على أساسها.
ومن المهم أيضاً أن التعبئة الفلسطينية لم تختف فور بدء المواجهة العسكرية؛ فقد شهد يوم 18 مايو 2021 إضراباً فلسطينياً عاماً.
لذلك فإن القول إن التصعيد غيّر اتجاه الحراك يبقى قابلاً للنقاش، أما القول إنه أنهى جميع أشكال التعبئة فوراً فلا يطابق التسلسل الزمني للأحداث.
والدرس هنا بسيط: حدوث أمر بعد أمر آخر لا يثبت، بمفرده، أن الثاني كان نتيجة حتمية للأول.
مسيرات العودة: هل تصبح التضحيات دليلاً على العبث؟
تتيح مسيرات العودة في غزة مثالاً آخر على صعوبة الموازنة بين الكلفة والجدوى.
لقد خرج آلاف الفلسطينيين منذ مارس 2018 في احتجاجات ارتبطت بحق العودة ورفض الحصار، وتعرض المشاركون لإطلاق النار وإصابات جسيمة.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، قُتل 214 فلسطينياً خلال احتجاجات مسيرات العودة في الفترة التي يغطيها تقريره عن عامي 2018 و2019، وأصيب عشرات الآلاف.
من المشروع هنا أن نطرح سؤالاً قاسياً: هل كان على المنظمين مراجعة أساليب الاحتجاج بعد اتضاح حجم الخسائر؟
بالطبع.
لكن هل تعني تلك الخسائر أن المطالبة بحق العودة كانت بلا جدوى، أو أن المظاهرات لم تحقق أي أثر سياسي أو إعلامي أو رمزي؟
ليس بالضرورة.
فالأثر السياسي لا يُقاس فقط بعدد التنازلات التي يقدمها الخصم مباشرة. وقد تسهم حركة احتجاجية في إبقاء قضية حية، وتوسيع التضامن معها، وكشف طبيعة القمع الذي تواجهه.
لكن الاعتراف بهذه الآثار لا يعني تبرير استمرار أي أسلوب احتجاجي مهما بلغت خسائره.
إن المطلوب معيار يسمح باحتساب الخسائر والمكاسب معاً، والتمييز بين مسؤولية المنظمين عن قراراتهم ومسؤولية القوات التي استخدمت القوة.
أما تحويل عدد الضحايا وحده إلى مقياس للعبث أو النجاح، فيختزل تجربة إنسانية وسياسية شديدة التعقيد.
السابع من أكتوبر: هل تعني الكارثة نهاية الخيار العسكري؟
بلغ نقاش السلاح ذروته بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب الإسرائيلية المدمرة على غزة.
ولا يمكن التعامل مع هذه المحطة بالإنكار أو بالتبرير السهل.
فقد كشفت الأحداث عن اختراق عسكري وأمني كبير في بداية الهجوم، كما شهد الهجوم أفعالاً استهدفت مدنيين وأخذ رهائن، وهي أفعال تستوجب المساءلة وفق القانون الدولي الإنساني.
وأعقب ذلك حرب إسرائيلية خلّفت دماراً واسعاً ومعاناة إنسانية هائلة في غزة، وتثير أفعال القوات الإسرائيلية خلالها مسؤوليات قانونية مستقلة.
كل ذلك يفرض مراجعة جدية لحسابات القيادة التي اتخذت قرار الهجوم، وأهدافها، واستعدادها، والنتائج التي توقعتها، والبدائل التي درستها.
لكن ثمة سؤالاً آخر ينبغي ألا يضيع وسط هول المأساة:
هل تكفي كارثة استراتيجية محددة لإعلان النهاية التاريخية لجميع أشكال العمل المسلح الفلسطيني؟
يمكن القول إن نموذجاً عسكرياً معيناً كشف عن حدود خطيرة. ويمكن القول إن ميزان القوى لا يسمح اليوم بتحقيق أهداف معينة من خلال الوسيلة نفسها.
لكن الانتقال من هذه الأحكام المحددة إلى إعلان انهيار الخيار العسكري بصورة نهائية يحتاج إلى أدلة أوسع.
فالتاريخ يعرف استراتيجيات فشلت في زمن، ثم تغيرت شروطها، أو ظهرت بدائل مختلفة عنها. كما يعرف حالات أدت فيها مواصلة القتال إلى كوارث أكبر.
ليس في ذلك وعد بانتصار قادم، ولا دعوة إلى تكرار تجربة فاشلة. إنما هو رفض لتحويل النتيجة الراهنة إلى قانون أبدي.
وهذا يقودنا مجدداً إلى سوريا.
سوريا: حين لا ينتهي التاريخ عند اللحظة التي يعلن فيها الناقد انتهاءه
تكشف العودة إلى كتابات كيالي عن الثورة السورية حقيقة ينبغي الإقرار بها أولاً: لقد انتقد عسكرة الثورة السورية بوضوح، منذ سنوات مبكرة، ولم يكن مدافعاً مطلقاً عن خيارات فصائل المعارضة.
ففي مقالاته المنشورة بين 2013 و2018، تناول مشكلات التفكك الفصائلي، وهيمنة العسكري على السياسي، والتدخلات الإقليمية، وفقدان استقلال القرار، والكلفة التي تحملتها المجتمعات السورية.
كما ميّز بين حق السوريين في الدفاع عن أنفسهم وبين الخيارات العسكرية التي رأى أنها افتقرت إلى الحساب السياسي.
إذن لا يصح القول إن كيالي ينقد عسكرة الثورة الفلسطينية ويصمت تماماً عن عسكرة الثورة السورية.
لكن هذه الحقيقة تفتح سؤالاً أدق وأكثر أهمية: هل أعطى إخفاقات الثورة السورية المرحلية وزناً أكبر من قدرتها على التحول مستقبلاً؟ وهل فعل شيئاً مشابهاً في قراءته للمقاومة الفلسطينية؟
في ديسمبر 2023، كتب كيالي عن المقاومة الفلسطينية محذراً من تكرار ما حدث للثورة السورية، ووصف تلك التجربة حينها بعبارات حملت معنى التعثر والإجهاض.
ثم عاد في سبتمبر 2024 إلى تناول الثورات المسلحة والحروب الأهلية، متوقفاً عند تراجع الطابع الشعبي للثورة السورية وتحول الصراع إلى مجال واسع للتدخل الخارجي.
وفي السابع من ديسمبر 2024، نشر مقاله عن استعصاء الحل السياسي في سوريا.
وفي اليوم التالي انهار نظام الأسد.
ما الذي يمكن استنتاجه من هذه الوقائع؟
- أولاً: أن السنوات الطويلة من تعثر الثورة السورية لم تكن دليلاً قاطعاً على استحالة سقوط النظام.
- ثانياً: أن تغير موازين القوى قد يفتح فرصاً لم تكن متاحة سابقاً، وأن التحليل الذي يختزل المستقبل في امتداد خطي للحاضر قد يعجز عن استيعاب التحولات المفاجئة.
- ثالثاً: أن سقوط النظام لا يمحو التضحيات الهائلة التي دفعها السوريون، ولا يثبت صحة كل الخيارات المسلحة التي سبقت ذلك السقوط، ولا يعني اكتمال بناء سوريا حرة وديمقراطية.
- رابعاً: أن الناقد الذي يطالب القيادات بمراجعة استراتيجياتها مطالب هو أيضاً بأن يراجع أحكامه عندما تتغير الوقائع التي استند إليها.
وهذه النقطة الأخيرة هي الأهم.
فلا نطلب من الكاتب أن يكون عرّافاً، وإنما ألا يتعامل مع إخفاق مرحلة كما لو كان برهاناً نهائياً على انتهاء التاريخ.
ولا نستطيع نقل التجربة السورية إلى فلسطين نقلاً آلياً؛ فالصراع ضد نظام حكم داخل دولة يختلف في بنيته وظروفه عن الصراع الفلسطيني ضد الاحتلال والاستيطان، وتختلف موازين القوى والدعم الدولي والأهداف.
لكن يمكن استخلاص درس منهجي مشترك:
الهزيمة لا تثبت الاستحالة، كما أن الانتصار لا يثبت حكمة كل ما سبقه من قرارات.
وهذا المعيار ينبغي أن يسري على الثورة السورية والمقاومة الفلسطينية معاً.
من يملك تعريف «الواقعية»؟
من أكثر الكلمات حضوراً في النقاشات السياسية العربية كلمة «الواقعية».
فالواقعي، وفق الاستخدام الشائع، هو من يعرف حدود القوة، ويحذر من المبالغة في الطموحات، ويدعو إلى عدم خوض معارك تتجاوز الإمكانات.
ولا خلاف على أهمية هذه الاعتبارات.
لكن الواقعية تتحول إلى مشكلة عندما تصبح مجرد مطالبة الطرف الأضعف بالتكيف مع تفوق الطرف الأقوى.
فإذا قيل للفلسطينيين إن عليهم الاعتراف باختلال ميزان القوى، فالسؤال مشروع.
لكن الواقعية لا تكتمل من دون سؤال آخر: كيف نشأ هذا الاختلال؟ ومن يحافظ عليه؟ وما المصالح والتحالفات والمؤسسات الدولية التي تعيد إنتاجه؟ وهل يمكن تغييره سياسياً وقانونياً واجتماعياً، أو عبر تراكُم أدوات ضغط مختلفة؟
الواقعية ليست التسليم بالأمر الواقع.
إنها فهم الواقع، بما فيه القوى التي تنتجه، والفرص التي تسمح بتغييره، والقيود التي تجعل بعض الوسائل غير مناسبة في لحظة معينة.
ولهذا فإن نقد الفصائل الفلسطينية ينبغي أن يترافق مع تحليل للبيئة الدولية والإقليمية التي تتحرك فيها، لا باعتبارها قدراً أبدياً، ولا باعتبارها عذراً جاهزاً لكل خطأ.
وينطبق الأمر نفسه على البدائل التي يطرحها الناقد.
فإذا كان مشروع الدولة الديمقراطية الواحدة يبدو أفقاً أخلاقياً وسياسياً جذاباً، فإنه لا يعفى من السؤال عن القوى التي يمكن أن تحققه، والطريق إليه، والضمانات التي تكفل الحقوق المتساوية.
ولا ينبغي أن يكون معيار الجدوى قاسياً عند تقييم المقاومة المسلحة، ومتسامحاً إلى حد الغموض عند تقييم المشروع السياسي البديل.
لماذا يجب أن نسأل أيضاً عن منصات النشر؟
حتى الآن كنا نناقش أفكار الكاتب. لكن الأفكار لا تصل إلى الجمهور من تلقاء نفسها.
فهناك صحف ومواقع ومجلات ومؤسسات بحثية تختار ما تنشره، وتحدد العناوين، وتقرر أي النصوص تستحق الترويج، وأي الأصوات تمنحها مساحة أكبر.
وهنا ندخل إلى ما يسميه الباحثون «الاقتصاد السياسي للإعلام».
وقد يبدو التعبير معقداً، لكنه يشير إلى سؤال بسيط: من يملك المنبر؟ ومن يموله؟ وكيف يمكن لهذه العلاقات أن تؤثر في اختيار الأخبار والآراء وطريقة تقديمها؟
فالصحيفة ليست مجرد أوراق أو شاشة، بل مؤسسة لها مالكون ومحررون وموارد مالية وجمهور وشبكة علاقات.
وقد تؤثر هذه العناصر في أولويات النشر حتى من دون أن يتصل المالك بكاتب ليطلب منه قول شيء محدد.
ولنفترض أن صحيفة ما تنشر عشرات المقالات التي تنتقد الفصائل الفلسطينية، لكنها تمنح مساحة أقل للمقالات التي تبحث في مسؤولية القوى الدولية عن استمرار الاحتلال.
قد يشير ذلك إلى انحياز في الاختيار أو التأطير التحريري، حتى لو كانت كل المقالات المنشورة تعبر بصدق عن آراء أصحابها.
لكن إثبات هذا الانحياز يتطلب مقارنة واسعة، لا انتقاء بضعة عناوين.
وقد نشر كيالي في منابر متعددة ومتباينة، منها صحف عربية تقليدية، ومجلات إقليمية، ومؤسسات بحثية فلسطينية، ومنصات رقمية، ومواقع سورية معارضة لنظام الأسد.
وتختلف هذه المنابر في ملكيتها وتمويلها وسياستها التحريرية.
وبعضها أعلن اعتماده على منح دولية. وقد نشرت منصة «درج»، مثلاً، إفصاحات عن جهات دعمتها، مؤكدة في الوقت نفسه استقلال قراراتها التحريرية.
هل يعني هذا أن كل مقال يُنشر فيها يخدم أجندة الجهة الممولة؟
بالتأكيد لا يمكن إثبات ذلك بمجرد معرفة مصدر التمويل.
لكن هل يعني أن المال لا يؤثر أبداً في المجال الإعلامي؟
هذا استنتاج غير مبرر أيضاً.
فالتأثير قد يكون في تحديد الأولويات، أو اختيار الكتّاب، أو توزيع الموارد، أو نوع الملفات التي تحظى بالدعم والترويج، وليس بالضرورة في إملاء كل عبارة.
ومن هنا تبرز أهمية البحث في العلاقة بين خطاب كيالي والبيئات الإعلامية التي نشرت مقالاته.
- هل تختلف حدة نقده للتجربة الفلسطينية باختلاف المنبر؟
- وهل تظهر مفردات أكثر قسوة عند الحديث عن المقاومة الفلسطينية، مقابل مفردات أكثر تفهماً للسياقات الثورية الأخرى؟
- وهل تعكس هذه الاختلافات تطوراً طبيعياً في أفكاره، أم اختلافاً في الجمهور المستهدف، أم تأثيراً في الانتقاء التحريري؟
هذه أسئلة مشروعة، لكنها لا تتحول إلى نتائج ثابتة إلا بعد تحليل نصوص كثيرة بصورة منهجية.
وفي البحث الموسع الذي استند إليه هذا المقال، جرى إعداد فهرس أولي لعشرات المواد المنشورة لكيالي عبر أحد عشر منبراً، مع تصنيفها بحسب التاريخ والموضوع ودرجة التحقق.
لكن ذلك الفهرس لا يمثل جميع ما كتبه خلال عقود، ولا يكفي بعد لإعلان نتيجة إحصائية نهائية بشأن اختلاف حدة النقد.
والاعتراف بهذه الحدود أكثر فائدة من إطلاق اتهامات واسعة لا تستطيع الوثائق إثباتها.
بين نقد الاحتلال ونقد من يقاومه
تستحق هذه النقطة وقفة خاصة.
ففي المجال الفلسطيني، ثمة ميلان متقابلان يضعفان النقاش:
- الأول يجعل أي نقد للفصائل أو لخيارات المقاومة ضرباً من التخلي عن القضية.
- والثاني يجعل نقد تلك الفصائل بديلاً شبه كامل عن تحليل الاحتلال وسياساته وتحالفاته.
والنتيجة في الحالتين إفقار النقاش السياسي.
فالمقاومة ليست معصومة لأنها مقاومة، والاحتلال لا يفقد مسؤوليته لأن خصومه ارتكبوا أخطاء.
والناقد لا يصبح على حق لأنه شجاع في انتقاد السلطة أو الفصيل، كما لا يصبح مخطئاً لمجرد أن انتقاداته تُستخدم من أطراف لا تشارك الفلسطينيين أهدافهم.
ينبغي أن نقرأ النص ونختبر أدلته، ثم ندرس أيضاً كيف يجري تداوله وتوظيفه.
فقد يكتب شخص نقداً مستقلاً وصادقاً، ثم توظفه مؤسسة إعلامية في سردية أوسع تختلف عن مقصده.
وقد تكون لديه أخطاء منهجية حقيقية، من دون أن يكون تابعاً لأي جهة.
وهذا ما يجعل التمييز بين فكر الكاتب ومصالح المنبر الذي ينشره ضرورياً.
ولا حاجة إلى اتهام النيات لكشف اختلال التوازن في النقاش؛ فالنصوص، إذا جُمعت وقورنت بإنصاف، تستطيع أن تقول الكثير.
هل نحتاج إلى نقد المقاومة أم إلى نقد الطريقة التي ننتقدها بها؟
قد يبدو السؤال غريباً، لكنه جوهر المسألة.
نعم، نحتاج إلى نقد المقاومة.
نحتاج إلى معرفة لماذا تراجعت المؤسسات الفلسطينية، ولماذا تضخم نفوذ بعض القيادات، ولماذا غابت آليات المحاسبة، ولماذا لم تنجح استراتيجيات معينة في تحقيق أهدافها، ولماذا عجز الفلسطينيون عن بناء استراتيجية وطنية موحدة قادرة على استثمار طاقاتهم المتنوعة.
لكننا نحتاج أيضاً إلى نقد الطريقة التي نجيب بها عن هذه الأسئلة:
- فإذا كان الناقد يعتمد على النتيجة النهائية وحدها، فإنه قد يحوّل كل تجربة لم تحقق هدفها إلى تجربة عبثية.
- وإذا كان يقارن الواقع الفعلي ببديل متخيل يفترض نجاحه، فإنه لا يكون قد أثبت أفضلية ذلك البديل.
- وإذا كان يحمّل الفاعل الأضعف مسؤولية قراراته، لكنه لا يمنح الفاعل الأقوى وزنه السببي والقانوني المستقل، فإنه قد يقدم تفسيراً غير متوازن.
- وإذا كان يعلن انتهاء الخيارات السياسية والعسكرية انطلاقاً من حصيلة مرحلة واحدة، فإنه يخاطر بإغلاق احتمالات لم يحسمها التاريخ بعد.
وفي المقابل، إذا احتفى المدافعون عن المقاومة بإمكان الانتصار المستقبلي كي يعفوا كل قرار حاضر من المحاسبة، فإنهم يقعون في خطأ مماثل.
فإمكان تحقق نصر بعيد لا يجعل جميع الوسائل صائبة الآن.
ولا يمكن استبدال الحساب الاستراتيجي بالأمل، مثلما لا يجوز استبدال قراءة التاريخ باليأس.
ما الذي يبقى من مشروع ماجد كيالي بعد هذه المراجعة؟
تبقى أسئلته عن التمثيل والمحاسبة والجدوى أسئلة مهمة، بل ضرورية.
ويبقى نقده لهيمنة العمل العسكري على السياسة، وللتفكك الفصائلي، وللتبعية الخارجية، جديراً بالمناقشة الجادة.
لكن بعض أحكامه الواسعة تحتاج إلى مراجعة حدودها:
- فإذا كانت الحركة الوطنية الفلسطينية قد عرفت إنجازات سياسية وقانونية وشعبية بعد منتصف السبعينيات، فلا يكفي معيار التحرير الكامل لنفي تلك الإنجازات جميعاً.
- وإذا كانت بعض الاستراتيجيات المسلحة قد فشلت في تحقيق أهدافها، فلا يصح الانتقال تلقائياً إلى إعلان نهاية كل إمكان عسكري.
- وإذا كانت الثورة السورية قد عرفت سنوات طويلة من التعثر والهزيمة والخراب، ثم سقط النظام الذي ثارت عليه، فإن التاريخ يقدم لنا مثالاً واضحاً على محدودية الأحكام التي تتعامل مع الواقع المؤقت باعتباره خاتمة نهائية.
أما منابر النشر، فلا ينبغي تبرئتها سلفاً من تأثير الملكية والتمويل، ولا اتهامها تلقائياً بتوجيه كل نص تنشره.
إنها جزء من البيئة التي تتشكل فيها الأفكار وتصل إلى الجمهور، ويجب إخضاعها للبحث مثلما نخضع الأفكار نفسها.
وفي النهاية، لا تتعلق هذه المناقشة بماجد كيالي وحده.
إنها تتعلق بكيفية كتابة تاريخ الشعوب التي تناضل من أجل حقوقها، وكيفية قراءة هزائمها وانتصاراتها، وكيفية الفصل بين النقد الذي يساعد على فهم التجربة والنقد الذي قد يحوّلها إلى حكاية إخفاق مغلقة.
فالتاريخ لا يسير في خط مستقيم، ولا يمنحنا دائماً أسباباً واضحة وانتصارات نهائية.
قد تتراجع حركة ثم تنهض، وقد تنجح وسيلة ثم تفشل، وقد تتغير موازين القوى في ظروف لم يكن أحد يتصورها.
ولهذا فإن أخطر ما يفعله النقد ليس أن يكون قاسياً، بل أن يصبح واثقاً إلى حد إغلاق باب الاحتمال.
ليس المطلوب أن نكف عن نقد المقاومة، بل ألا نحاكم التاريخ كما لو أنه انتهى.
وليس المطلوب أن نؤمن بانتصار قادم لا نعرف شروطه، بل أن ندرك أن الهزيمة الراهنة، مهما كانت قاسية، ليست برهاناً علمياً على استحالة كل تغيير مستقبلي.
والأهم أن يظل الناقد مستعداً لمراجعة خلاصاته عندما تكشف الوقائع الجديدة حدود ما اعتقد أنه محسوم.
فالنقد الذي يطالب الآخرين بمراجعة أنفسهم، يفقد جانباً من قوته إن لم يكن هو نفسه قابلاً للمراجعة.
لمن أراد التوسع والتوثيق
هذا المقال صياغة مبسطة لأبرز أطروحات دراسة بحثية موسعة بعنوان:
«نقد النقد الفلسطيني: ماجد كيالي بين مراجعة التجربة الوطنية الفلسطينية، ومآلات الثورة السورية، والاقتصاد السياسي للخطاب».
تتناول الدراسة الكتب الأساسية لماجد كيالي، وتخصص قسماً مستقلاً لحواره مع أحمد البيقاوي في بودكاست «تقارب»، وتقارن كتاباته عن فلسطين وسوريا عبر مراحل تاريخية متعددة، وتفحص أثر سقوط نظام الأسد عام 2024 في قراءة أحكامه السابقة.
كما تضم سجلاً لتدقيق عشرين دعوى تاريخية، وفهرساً أرشيفياً أولياً للمقالات والمنابر، ومراجع ووثائق أصلية لمن يريد مواصلة البحث والتحقق.
وهي لا تدعي أنها استوعبت جميع ما نشره الكاتب خلال عقود، بل تبيّن النصوص التي جرى التحقق منها، وحدود الأدلة، والأسئلة التي ما زالت مفتوحة للبحث.

Comments