حين يصبح النقد نفسه بحاجة إلى نقد : قراءة منهجية في مشروع ماجد كيالي لنقد التجربة الوطنية الفلسطينية



مقدمة: المشكلة ليست في حق كيالي في النقد، بل في حصانة استنتاجاته من النقد

لا يحتاج ماجد كيالي إلى الدفاع عن حقه في نقد التجربة الوطنية الفلسطينية. فهذا الحق ليس منّة من فصيل أو قيادة، كما أن التاريخ الفلسطيني، بما انطوى عليه من إخفاقات وانقسامات وتضحيات هائلة وخيارات سياسية وعسكرية متفاوتة النتائج، أحوج ما يكون إلى المراجعة الصارمة.

ومن هذه الزاوية، يصيب كيالي عندما يرفض إضفاء القداسة على أي قيادة أو فصيل أو وسيلة كفاحية، وعندما يطالب بمساءلة الخيارات وفق نتائجها وكلفتها، وعندما ينتقد غياب المؤسسات الديمقراطية والمحاسبة داخل الحركة الوطنية. بل إن اعتراضه على تحويل «الكفاح المسلح» من وسيلة سياسية إلى قيمة قائمة بذاتها سؤال مشروع وضروري.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي ينتقل فيها الناقد من طرح السؤال إلى ادعاء امتلاك الإجابة التاريخية الحاسمة، ومن مساءلة المسلمات السائدة إلى إنتاج مسلمات مقابلة لا تخضع هي نفسها للمستوى ذاته من التدقيق.

وهذا، في تقديري، هو المأزق الأساسي في جزء مهم من مشروع ماجد كيالي.

فهو يطالب الحركة الوطنية بمراجعة تجربتها وفق منهج نقدي عقلاني، لكنه يقدم في الوقت ذاته خلاصات تاريخية شديدة الاتساع من قبيل أن التجربة الفلسطينية «لم توضع ولا مرة» على طاولة المراجعة، وأن معظم الإنجازات تحققت بين 1965 و1975، وأن الحركة وصلت بعدها إلى سقف لم تعد قادرة على تجاوزه، وأن تجربة الكفاح المسلح انتهت عملياً إلى طريق مسدود. وفي كتاباته اللاحقة يعيد إنتاج هذه الخلاصات بدرجات متفاوتة من القطع. ففي مقال حديث مثلاً يقول إن معظم الإنجازات الوطنية الفلسطينية تحققت بين 1965 و1975، ويستنتج من ذلك أن الحركة الوطنية بلغت منذ زمن طويل سقفاً لم يعد بوسعها تجاوزه. (مجلة المجلة)

السؤال هنا ليس: هل يمكن الاتفاق أو الاختلاف سياسياً مع هذه الأفكار؟ بل السؤال الأكثر أهمية هو:

بأي منهج تم إثباتها؟


«المعايشة» مصدر مهم، لكنها ليست بديلاً عن منهج البحث

يشرح كيالي في مقدمة كتابه الأخير أنه اعتمد «منهج معايشة الأحداث والقضايا»، مستنداً إلى معاصرته الشخصية للتجربة، وأنه ركز على الممارسة السياسية للكيانات أكثر من تركيزه على الأوراق والأدبيات، التي يرى أن كثيراً منها إنشائي ودعائي وتبريري.

هذه نقطة إشكالية للغاية من منظور البحث التاريخي والسياسي.

فالمعايشة تمنح الكاتب معرفة سياقية لا يمكن الاستهانة بها، وقد تجعل شهادته ذات قيمة عالية. لكنها تظل شهادة وموقعاً للملاحظة، وليست بذاتها منهجاً كافياً لإثبات السببية التاريخية.

الشاهد على خمسة عقود قد يعرف أشياء لا توجد في الكتب، لكنه أيضاً ينتقي ما يتذكر، ويرى الأحداث من موقع اجتماعي وسياسي محدد، ويعيد تفسير الماضي في ضوء ما عرفه لاحقاً عن نتائجه. ولهذا تحديداً نشأت أدوات البحث التاريخي والاجتماعي: لمقارنة الذاكرة بالوثيقة، وشهادة الفاعل بشهادة خصمه، والنتيجة النهائية بالبدائل التي كانت متاحة وقت اتخاذ القرار.

في منهجية تتبّع العمليات Process Tracing مثلاً، لا تكفي معرفة مسار الأحداث، بل ينبغي تحديد سلسلة سببية واختبارها بأدلة تشخيصية، وفحص فرضيات منافسة، والتمييز بين المتغيرات المستقلة والوسيطة والتابعة، والنظر في البدائل المضادة للواقع. ويؤكد ديفيد كوليير أن الوصف الدقيق نفسه شرط سابق للاستدلال السببي، وأن تحليل العملية يفشل إذا لم توصف مراحلها ومكوناتها بصورة كافية. (Cambridge University Press)

وهنا تظهر مفارقة واضحة: كيالي ينتقد الوثائق الفلسطينية لأنها دعائية أو تبريرية، لكنه لا يستطيع منهجياً أن يعفي نفسه بسبب ذلك من التعامل معها. الوثيقة المنحازة لا تُهمل؛ بل تُقرأ نقدياً وتُقارن بغيرها.

فالقول إن القيادة لم تراجع قراراً، أو إن قراراً اتخذ بلا دراسة كافية، أو إن فصيلاً تحرك تبعاً لمصالح دولة خارجية، لا يمكن إثباته بالمعايشة والانطباع وحدهما. نحتاج إلى محاضر، ومراسلات، ومذكرات، ومقابلات متقاطعة، وقرارات داخلية، وشهادات متعارضة، وتسلسل زمني يوضح كيف وصل الفاعلون إلى القرار.


المفارقة الأوضح: «الإحصاءات هي الأكثر شفافية»… ولكن الإحصاءات نفسها ناقصة

تظهر المشكلة بوضوح شديد في كتابات كيالي السابقة حول الكفاح المسلح.

ففي مقال نشره عام 2020 يدعو إلى ترك «التنظيرات والتحليلات» مؤقتاً والذهاب إلى الإحصاءات، لأنها، حسب وصفه، الأكثر مباشرة وشفافية في تقديم «كشف حساب» للتجربة العسكرية، وخصوصاً من حيث الكلفة والمردود والخسائر البشرية. (اخبار الغد)

لكن وصف كتاب «نقاش السلاح» نفسه يؤكد أن التجربة تفتقر إلى الأرشيف والوثائق والإحصاءات والسجلات الكافية، ثم يضيف صراحة أن الكتاب ليس بحثاً تاريخياً أو استقصائياً ولا تقريراً إحصائياً. (Abjjad)

هنا توجد فجوة منهجية حقيقية.

إذا كانت البيانات غير مكتملة، والمصادر الحزبية غير موثوقة، والأرشيف ناقصاً، والكتاب ليس دراسة تاريخية استقصائية أو إحصائية، فكيف يمكن أن تنتقل النتيجة من:

«هذه مؤشرات تدفعنا إلى إعادة التفكير»

إلى:

«هذه التجربة وصلت إلى طريق مسدود»؟

الأولى فرضية سياسية مشروعة. الثانية حكم سببي وتاريخي يحتاج عبء إثبات أكبر بكثير.


هل نسبة الخسائر معيار كاف للحكم على جدوى استراتيجية وطنية؟

من أكثر أجزاء مشروع كيالي إثارة للنقاش محاولته إخضاع تجربة العمل المسلح لحساب «الكلفة والمردود». وهذا بحد ذاته أمر مشروع، بل وضروري. حياة البشر ليست رقماً يمكن تجاهله باسم الشعارات.

لكن المشكلة ليست في احتساب الكلفة، وإنما في تعريف المردود.

فعندما يقول إن خسارة إسرائيل للمليارات لا تعادل خسارة الفلسطينيين للملايين بسبب الفارق في القدرة الاقتصادية والاجتماعية، فإنه يلفت إلى متغير مهم. (اخبار الغد) لكن قياس نجاح حركة تحرر أو فشلها لا يمكن اختزاله في نسبة الخسائر البشرية أو الاقتصادية بين الطرفين.

ما هو «المردود» تحديداً؟

هل هو تحرير أرض؟ أم منع تصفية قضية؟ أم بناء هوية سياسية؟ أم الحصول على اعتراف دولي؟ أم رفع كلفة الاحتلال؟ أم الحفاظ على مجتمع وقدرته على الصمود؟ أم اكتساب مؤسسات؟ أم تحسين شروط تفاوض؟ أم استجلاب تضامن دولي؟

لا توجد إجابة علمية قبل أن يحدد الباحث المتغير التابع الذي يريد قياسه.

والمفارقة أن مراجعة منشورة لكتاب «نقاش السلاح» أثارت هذه المشكلة تحديداً؛ إذ لاحظ صاحبها أن كيالي يحاكم التجربة المسلحة من خلال نتائجها النهائية، من دون أن يكون واضحاً كيف يمكن عزل السلاح باعتباره العامل السببي المباشر للنتيجة، في ظل وجود الاحتلال الاستيطاني، والبيئة الدولية، وموازين القوى، والدول العربية، والانقسامات الداخلية وعشرات المتغيرات الأخرى. (العربي الجديد)

وهذا اعتراض منهجي بالغ الأهمية: فشل النتيجة لا يثبت بمفرده أن الوسيلة المحددة هي سبب الفشل، تماماً كما أن النجاح لا يثبت تلقائياً أن الوسيلة المستخدمة هي سبب النجاح.


مغالطة «الحكم بأثر رجعي»

ثمة ميل متكرر في كتابات كيالي إلى قراءة الخيارات السابقة في ضوء ما نعرف اليوم أنها انتهت إليه.

وهذا خطر معروف في تحليل التاريخ: بعد وقوع النتيجة تبدو الطريق التي أدت إليها أكثر وضوحاً وحتمية مما كانت تبدو للفاعلين في لحظة اتخاذ القرار.

من السهل، مثلاً، بعد كارثة معينة أن نقول إن القرار كان يجب ألا يتخذ. لكن البحث الجاد يسأل سؤالاً أصعب:

ما المعلومات التي كانت متاحة لصانع القرار آنذاك؟ وما البدائل الواقعية التي كانت أمامه؟ وما النتائج المتوقعة لكل بديل وفق المعلومات المتاحة في حينه؟

وهذا لا يعني إعفاء القيادات من المسؤولية. بالعكس، إنه يجعل مساءلتها أكثر صرامة، لأنها تصبح مساءلة للقرار وفق ظروفه ومعلوماته وليس فقط وفق نتيجته التي نعرفها نحن بعد وقوعها.

وتظهر هذه المشكلة بوضوح في كتابات كيالي عن 7 أكتوبر. فمن المشروع تماماً مساءلة قرار بهذه الضخامة وكلفته وآثاره، بل يجب ذلك. لكن الانتقال إلى الجزم بأن القرار اتخذ، مثلاً، «دون دراسة مسؤولة» يحتاج أكثر من النظر إلى الكارثة التي أعقبته؛ يحتاج اطلاعاً على عملية صنع القرار نفسها، والفرضيات التي استخدمها صانعوه، وتقديراتهم للرد الإسرائيلي، والبدائل التي نوقشت، ومن شارك في القرار ومن عارضه.

وإلا أصبح سوء النتيجة دليلاً تلقائياً على سوء عملية القرار، وهما شيئان مختلفان منهجياً.


«لم تحصل مراجعة قط»: عبارة أقوى من الوقائع

أكثر دعاوى كيالي حاجة إلى إعادة ضبط هي تكراره، منذ سنوات، فكرة أن التجربة الوطنية الفلسطينية لم تخضع للمراجعة والفحص والمساءلة. ففي 2018 كتب أن التجربة لم تخضع للمراجعة، وفي مقدمة كتابه الأخير يستخدم عبارة أقرب إلى أنها «لم توضع ولا مرة» على طاولة المراجعة. (Alarab)

إذا كان المقصود أنه لم تحدث مراجعة مؤسسية شاملة، منتظمة، شفافة، ملزمة، مرتبطة بالمحاسبة وتغيير القيادات والسياسات، فإن الأطروحة قوية وقابلة للدفاع عنها.

لكن إذا كان المقصود حرفياً أنه لم تحدث مراجعات إطلاقاً، فلا تصمد العبارة أمام التاريخ.

فالمجلس الوطني الفلسطيني تبنى عام 1974 البرنامج المرحلي ذي النقاط العشر بعد تحول كبير في الظروف السياسية، وهو تحول أثار أصلاً خلافاً وانشقاقات واعتراضات داخل الحركة الوطنية. (United Nations) وفي 1988 تبنى المجلس الوطني إعلان الاستقلال وبياناً سياسياً مثّلا تحولاً برنامجياً وسياسياً مهماً. (United Nations)

هذه قد لا تكون «مراجعات» بالمستوى الذي يريده كيالي، وقد لا تتضمن اعترافاً كاملاً بالأخطاء أو مساءلة للقيادات. لكن وجودها يمنع من استخدام صيغة «لم يحدث قط».

والأدق علمياً هو القول:

حدثت تحولات ومراجعات سياسية وبرنامجية، لكنها لم تتطور إلى ثقافة مؤسسية منتظمة للمراجعة والمحاسبة.

الفارق بين العبارتين كبير. الأولى حكم مطلق يمكن تفنيده بمثال واحد. الثانية فرضية أكثر دقة وقوة.


هل توقفت الإنجازات الفلسطينية فعلاً عام 1975؟

من أكثر خلاصات كيالي تكراراً قوله إن معظم إنجازات الحركة الوطنية الفلسطينية تحققت خلال سنواتها العشر الأولى، بين 1965 و1975، وأنها وصلت بعدها إلى سقف لم تعد قادرة على تجاوزه. وقد كرر الفكرة بصورة صريحة في 2026. (مجلة المجلة)

لكن هذه الأطروحة تعاني أولاً من غياب تعريف واضح لكلمة «إنجاز».

إذا كان المقصود بالإنجازات التأسيسية: إعادة بناء الهوية الوطنية، صعود منظمة التحرير، اكتساب الاعتراف العربي والدولي، وترسيخ الفلسطينيين كفاعل سياسي مستقل، فمن الممكن بناء حجة قوية بأن النصف الأول من السبعينيات كان لحظة تأسيسية استثنائية.

أما إذا كانت كلمة «الإنجازات» مستخدمة بمعناها العام، فالتاريخ اللاحق يضع مشكلة واضحة أمام هذا الحكم.

فالانتفاضة الأولى منذ 1987 نقلت مركز ثقل الصراع إلى الداخل الفلسطيني وأسهمت في إعادة تنشيط موقع منظمة التحرير؛ وتصف موسوعة المسألة الفلسطينية التابعة لمؤسسة الدراسات الفلسطينية الانتفاضة بأنها أنقذت المنظمة في مرحلة ضعفها وأعادت مركز ثقل النضال إلى فلسطين التاريخية. (PalQuest)

ثم جاء إعلان الاستقلال والتحول السياسي في 1988. (United Nations) وأصبحت فلسطين عضواً في اليونسكو عام 2011. (UNESCO) ومنحتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012 صفة دولة مراقب غير عضو بقرار 67/19. (Digital Library) وفي 2015 دخل نظام روما الأساسي حيز النفاذ بالنسبة إلى دولة فلسطين، فأصبحت طرفاً في المحكمة الجنائية الدولية. (International Criminal Court)

يمكن لكيالي أن يجادل بأن هذه الإنجازات أقل من إنجازات مرحلة التأسيس، أو أنها لم تغير ميزان القوى على الأرض. لكن لا يمكن منهجياً الوصول إلى ذلك قبل وضع مقياس معلن للإنجاز وترتيب الأحداث وفقه.

من دون ذلك تصبح عبارة «معظم الإنجازات» حكماً انطباعياً قابلاً لتغيير تعريفه كلما ظهر مثال مخالف.


مثال لافت على ضعف القيمة التنبؤية

في عرض كتاب «نقاش السلاح» عام 2020 نُسب إلى كيالي استنتاج أن العمل المسلح الفلسطيني وصل إلى «طريق مسدود»، وأن حماس وصلت عملياً إلى ما وصلت إليه فتح وأصبحت «أكثر حرصاً على التهدئة من أي طرف آخر». (العربي الجديد)

لا أذكر هذه العبارة لأقول إن هجوم 7 أكتوبر أثبت «نجاح» الكفاح المسلح؛ فتلك مسألة مختلفة تماماً.

المهم منهجياً أن حدث 7 أكتوبر كشف أن وصف سلوك حماس في لحظة زمنية معينة بأنه علامة على وصولها البنيوي إلى نهاية خيارها العسكري كان استنتاجاً أوسع مما تسمح به الوقائع آنذاك.

أي أن هدوءاً تكتيكياً أو سياسة تهدئة جرى تحويلهما إلى استنتاج استراتيجي طويل الأمد.

والنظرية الجيدة لا تقاس فقط بقدرتها على تفسير الماضي بعد حدوثه، بل أيضاً بقدرتها على توليد توقعات قابلة للاختبار أو، على الأقل، على تحديد الظروف التي يمكن أن تجعل استنتاجها خاطئاً.


جمع تجارب شديدة الاختلاف تحت عنوان «الكفاح المسلح»

ثمة إشكال تصنيفي آخر.

فعبارة «الكفاح المسلح الفلسطيني» في كتابات كيالي قد تجمع تحت مظلة واحدة تجارب بالغة الاختلاف: عمليات فدائية عبر الحدود في الستينيات والسبعينيات، تجربة منظمة التحرير في الأردن ولبنان، المقاومة داخل الأراضي المحتلة، عسكرة الانتفاضة الثانية، صواريخ غزة، إدارة حماس لقطاع محاصر، وحروب إسرائيل واسعة النطاق.

لكن هذه ليست «حالة» واحدة قابلة للقياس بالمتغيرات نفسها.

المقاومة من أرض دولة عربية ليست كالمقاومة من منطقة محتلة؛ والفصيل غير الدولتي ليس سلطة حاكمة؛ والعمل السري ليس حرباً شبه نظامية؛ وميزان القوى في 1968 ليس ميزان القوى في 2002 أو 2023.

حتى المراجعة المتعاطفة مع أطروحة كيالي أشارت إلى أن مقارنة التجربة الخارجية لفتح بتجربة حماس في فلسطين تحتاج إلى تمييز أكبر، لأن السياقين مختلفان. (العربي الجديد)

ويظهر الميل نفسه في مقال حديث يقسم تاريخ المواجهة العسكرية مع إسرائيل إلى حقبة «دولتية» وأخرى «ميليشياوية» مرتبطة إلى حد بعيد بالدور الإيراني، وهي صياغة تفسيرية واسعة تجمع فاعلين وتجارب وأهدافاً متباينة تحت بنية واحدة. (مجلة المجلة)

التصنيف مفيد فكرياً، لكنه لا يصبح تفسيراً سببيّاً لمجرد أنه أنيق.


«الكفاح المسلح لم ينشأ طبيعياً من البيئة الفلسطينية»

في قراءة كتاب كيالي الأخير نُسب إليه أيضاً استنتاج أن الكفاح المسلح لم ينشأ بصورة طبيعية داخل البيئة الفلسطينية، بل حُفّز ووجّه بدرجات مختلفة بفعل مصالح وتوظيفات إقليمية ودولية واعتمد على الموارد الخارجية. (الملتقى الفلسطيني)

الاعتماد على الخارج قضية حقيقية تستحق الدراسة. لكن إثبات التمويل أو الاحتضان الخارجي لا يثبت تلقائياً أن منشأ الظاهرة خارجي.

لكي يثبت هذا الاستنتاج ينبغي دراسة ما كان سيحدث في غياب الدعم الخارجي، والبحث في الدوافع الاجتماعية والسياسية الفلسطينية المستقلة، ومقارنة الفصائل والمراحل المختلفة، والتمييز بين نشأة الدافع وإمكان استمراره مادياً.

فالفاعل يمكن أن تكون دوافعه داخلية وتمويله خارجياً. ويمكن أيضاً أن يكون التمويل الخارجي قد أعاد تشكيل قراره. هاتان فرضيتان مختلفتان، ولا يجوز دمجهما في استنتاج واحد.


البديل الذي يطرحه كيالي يحتاج بدوره إلى اختبار

يدعو كيالي إلى إعادة بناء منظمة التحرير، وتوحيد الشعب والأرض والقضية، واعتماد أشكال كفاحية ممكنة ومستدامة ومجدية، وإعطاء وزن أكبر للعمل الشعبي والسياسي والحقوقي.

هذه رؤية سياسية قابلة للنقاش، وقد يكون فيها الكثير من الصواب.

لكنها لا تصبح «النتيجة العلمية» الوحيدة الممكنة لمجرد أن البدائل السابقة فشلت أو أخفقت.

فما معنى «المستدام»؟ وكيف تقاس «الجدوى»؟ وما آلية إجبار قوة احتلال متفوقة على تقديم تنازلات من خلال الاستراتيجية المقترحة؟ وما الزمن المتوقع؟ وكيف يتم التعامل مع استمرار الاستيطان أو القمع؟ ومتى نقرر أن الاستراتيجية الشعبية أخفقت؟ وما مؤشرات نجاحها المرحلية؟

إذا كان معيار السلاح هو الكلفة والمردود، فيجب تطبيق المعيار نفسه على اللاعنف والتفاوض والعمل الحقوقي والدبلوماسية الدولية.

النقد العلمي لا يستبدل استراتيجية مقدسة باستراتيجية أخرى محصنة من الاختبار.


منظمة التحرير: الشرعية التاريخية أم الشرعية الديمقراطية؟

هناك أيضاً توتر يستحق التوقف عنده بين نقد كيالي الحاد لضعف المؤسسات والتمثيل الديمقراطي، وبين تأكيده في المقدمة ضرورة إعادة بناء منظمة التحرير بوصفها «الممثل الشرعي الوحيد» للشعب الفلسطيني.

منظمة التحرير تمتلك بلا شك تاريخاً ومكانة واعترافاً سياسياً ودولياً. لكن إذا كانت الحجة الأساسية هي استعادة الشعب لدوره وإنهاء احتكار الطبقة السياسية للسياسة، فإن صفة «التمثيل» نفسها يجب أن تصبح موضوعاً للمساءلة الديمقراطية، لا مجرد حقيقة موروثة.

الأكثر اتساقاً مع منطقه هو القول إن منظمة التحرير يجب أن تستعيد شرعيتها التمثيلية عبر إعادة بنائها على أسس تتيح مشاركة الفلسطينيين وتمثيلهم الفعلي.

وهنا يصبح «الممثل الشرعي الوحيد» نتيجة لإعادة بناء الشرعية، لا فرضية سابقة عليها.


من حق الناقد أن يُنقد أيضاً

في مقدمة كتابه يشكر كيالي من تابعوا كتاباته طوال أربعة عقود، وخصوصاً «من قدم ولو نقداً أو ملاحظة».

وهذه عبارة جميلة، لكنها تحمل أيضاً معياراً أخلاقياً ينبغي أن ينطبق على صاحبها كما يطالب هو الفصائل والقيادات بتطبيقه على نفسها.

وهنا من الضروري التفريق بين الواقعة المثبتة والادعاء.

لم أجد، في البحث في المصادر العامة، توثيقاً مستقلاً يكفي لإثبات أن ماجد كيالي اعتاد حظر أشخاص في وسائل التواصل الاجتماعي لمجرد أنهم قدموا له نقداً مهذباً. ولذلك لا يصح أن يُتهم بذلك في مقال يفترض أنه ينتقد ضعف المنهج لدى غيره؛ وإلا وقعنا في الخطأ نفسه الذي ننتقده.

أما إذا أمكن تقديم أمثلة موثقة يتضح منها أن شخصاً نشر اعتراضاً موضوعياً خالياً من الإساءة، وأن الرد كان حذف النقد أو حظر صاحبه لمجرد مخالفته، فإن الأمر يصبح ذا دلالة مختلفة.

عندئذ لن تكون المشكلة حق صاحب الصفحة في إدارة صفحته، بل التناقض الأدائي بين خطاب يشتكي طوال عقود من تحريم النقد في الحقل الفلسطيني، ثم يضيق بالنقد عندما يتجه إليه شخصياً.

وفي تلك الحالة، سيكون الاعتراف بذلك أو الاعتذار لمن حُجب نقدهم أكثر انسجاماً مع المعايير التي يطالب بها الآخرين: المراجعة، والاعتراف بالخطأ، وعدم ادعاء العصمة.

أما قبل وجود الدليل، فالأمانة تقتضي إبقاء هذه المسألة معلقة لا استخدامها كسلاح شخصي.


المفارقة المركزية في مشروع كيالي

يمكن تلخيص الإشكال في أن ماجد كيالي يطالب الحركة الوطنية الفلسطينية بأربعة أشياء مشروعة تماماً:

المراجعة، والمساءلة، وإسقاط القداسة، وإخضاع الخيارات للنتائج.

لكن منهجه الخاص يحتاج إلى العنصر الخامس:

إخضاع الاستنتاجات نفسها لمعايير الإثبات.

فالقول إن الحركة الوطنية لم تراجع نفسها، وإن تجربة السلاح انتهت إلى طريق مسدود، وإن معظم الإنجازات توقفت عام 1975، وإن بعض القرارات اتخذت بلا دراسة، وإن الكفاح المسلح لم ينشأ طبيعياً من البيئة الفلسطينية، ليست مجرد «ملاحظات». إنها فرضيات تاريخية وسببية كبيرة.

وكلما كبرت الدعوى، كبر عبء إثباتها.

ولهذا يصبح اعترافه الصريح بأن «نقاش السلاح» ليس بحثاً تاريخياً استقصائياً ولا تقريراً إحصائياً بالغ الأهمية. (Abjjad)

ليس لأنه يسقط الكتاب، بل لأنه يحدد النوع المعرفي الصحيح له.

إنه كتاب في الفكر والنقد السياسي، يستند إلى خبرة طويلة ومعايشة وقراءة واسعة، ويطرح أسئلة بالغة الأهمية. لكنه لا يملك، وفق تعريف صاحبه نفسه، البنية المنهجية التي تسمح بتحويل كل خلاصاته الكبرى إلى حقائق تاريخية محسومة.


كيف كان يمكن تحويل الأطروحة إلى بحث أكثر صرامة؟

لكي تنتقل هذه الأفكار من مستوى «النقد السياسي القوي» إلى مستوى دراسة تاريخية سببية أكثر قابلية للتحقق، كان يلزم، على الأقل:

  1. تعريف المتغيرات مسبقاً: ما الإنجاز؟ وما الفشل؟ وما الكلفة؟ وما المردود؟ وما المقصود بـ«المراجعة»؟
  2. تفكيك التجربة إلى حالات مختلفة بدلاً من التعامل مع ستة عقود من العمل المسلح كحالة واحدة.
  3. إنشاء قاعدة مصادر قابلة للمراجعة تجمع الوثائق التنظيمية والمحاضر والمذكرات والشهادات والإحصاءات والمصادر الإسرائيلية والعربية والدولية.
  4. اختبار فرضيات منافسة: هل سبب الإخفاق هو السلاح، أم ميزان القوى، أم طبيعة الاستعمار الاستيطاني، أم التدخلات العربية، أم البناء التنظيمي، أم مزيج بينها؟
  5. استخدام تتبع العمليات السببية لإثبات كيف أدى قرار محدد إلى نتيجة محددة، بدلاً من الاستدلال من النتيجة النهائية على السبب. وهذا تحديداً ما تشدد عليه أدبيات البحث النوعي الحديثة. (Cambridge University Press)
  6. استخدام المقارنة والسيناريوهات المضادة للواقع: ماذا كان البديل العملي المتاح؟ وما المرجح أن يحدث لو اتُبع؟
  7. إظهار درجة عدم اليقين: التمييز بين ما تثبته الأدلة، وما ترجحه، وما يبقى اجتهاداً سياسياً.
  8. الفصل بين الحكم الوصفي والحكم القيمي: «حدث كذا بسبب كذا» قضية تجريبية؛ أما «الأفضل اعتماد هذه الاستراتيجية» فهي توصية سياسية تحتاج معايير مستقلة.

عندئذ يصبح النقد أقرب إلى المعنى الذي يدافع عنه كيالي نفسه: مراجعة لا تكتفي بالاتهام أو بالمزايدة، وإنما تتيح للآخرين فحص أدلتها وإعادة إنتاج استنتاجاتها أو نقضها.


خاتمة: النقد لا يمنح صاحبه موقعاً خارج النقد

القيمة الأساسية في مشروع ماجد كيالي تكمن في أنه كسر، أو حاول كسر، مناطق من المحظور السياسي الفلسطيني، وطرح أسئلة عن الكلفة والجدوى والمساءلة والديمقراطية والفشل لا ينبغي إسكاتها. وقد رأى بعض من كتبوا عن مشروعه فيه «نصاً نقدياً» مهماً ومعرفة واسعة بالتجربة الفلسطينية. (مجلة المجلة)

لكن الاعتراف بهذه القيمة لا يقتضي قبول خلاصاته.

بل لعل أفضل طريقة لأخذ دعوته إلى التفكير النقدي على محمل الجد هي تطبيقها عليه أيضاً.

فالناقد لا يصبح أكثر دقة لمجرد أنه يقف ضد السائد، كما أن الفكرة لا تصبح علمية لمجرد أنها جريئة أو صادمة. وقد تتحول «مقاومة المسلمات» نفسها إلى صناعة مسلمات جديدة إذا لم تُلزم نفسها بقواعد الدليل والتعريف والمقارنة وقابلية التفنيد.

والمشكلة في عدد من خلاصات كيالي ليست بالضرورة أنها خاطئة؛ بعضها قد يكون صحيحاً جزئياً، وبعضها يستحق دراسة جادة. المشكلة أنه كثيراً ما ينتقل من فرضية معقولة إلى حكم واسع من دون إظهار السلسلة الإثباتية التي تبرر مقدار اليقين المستخدم.

لذلك فإن القول الأكثر دقة ليس:

«أثبت ماجد كيالي أن التجربة الفلسطينية فشلت بسبب كذا وكذا.»

بل:

«قدم ماجد كيالي قراءة سياسية نقدية للتجربة الفلسطينية، وصاغ مجموعة من الفرضيات والتفسيرات المهمة التي ما زال كثير منها بحاجة إلى اختبار تاريخي واستقصائي مستقل قبل التعامل معها بوصفها نتائج محسومة.»

وهنا تكمن المفارقة الأخيرة.

في المقدمة التي يدعو فيها إلى تحرير الفلسطينيين من «البديهيات» ومن الأفكار المحصنة ضد النقد، يحتاج الكاتب نفسه إلى الحذر من تحويل خلاصاته الخاصة إلى بديهيات مضادة.

فالمعيار الحقيقي لثقافة النقد ليس أن نقول للآخرين:
راجعوا تاريخكم، واعترفوا بأخطائكم، وتقبلوا مساءلتكم.

بل أن نضيف إليها:

وأنا أيضاً مستعد لأن أخضع استنتاجاتي ومناهجي وسلوكي النقدي للمعيار ذاته.


Comments

Popular posts from this blog

غزة ، جودي ، وأنا!!!